الشيخ محمد رشيد رضا

380

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

على الرجال والنساء كما صرح بذلك في حد الزنا لان كلا من الذنبين يقع من كل منهما ، فأراد اللّه زجر كل منهما بتلاوة القرآن ، وان كانت الأحكام الشرعية مشتركة بينهما عند الاطلاق ، وتغليب وصف الذكورة وضمائرها في الكلام ، الا ما خص الشرع به الرجال ، كالإمامة والقتال ، والمتبادر من إطلاق اليد انها الكف إلى الرسغ ، ولهذا قال في آية الوضوء « وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ » وانما تقع السرقة بالكف مباشرة ، والساعد والعضد يحملان الكف كما يحملهما معها البدن ، فلا يقال إن اليد لا تعمل الا بهما . ولهذا المعنى - وهو ايقاع العذاب على العضو المباشر للجريمة - قالوا إن اليمنى هي التي تقطع ، لان التناول يكون بها الا ما شذ . جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ هذا تعليل للحد ، اي اقطعوا أيديهما جزاء لهما بعملهما وكسبهما السئ ، ونكالا وعبرة لغيرهما . فالنكال مأخوذ من النكل وهو ( بالكسر ) قيد الدابة . ونكل عن الشيء عجز أو امتنع لمانع صرفه عنه . فالنكال هنا ما ينكل الناس ويمنعهم ان يسرقوا . ولعمر الحق ان قطع اليد الذي يفضح صاحبه طول حياته ويسمه بميسم الذل والعار هو أجدر العقوبات بمنع السرقة ، وتأمين الناس على أموالهم ، وكذا على أرواحهم ، لأن الأرواح كثيرا ما تتبع لأموال ، إذا قارم أهلها السرق عند العلم بهم وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فهو غالب على أمره ، حكيم في صنعه وفي شرعه ، فهو يضع الحدود والعقوبات بحسب الحكمة التي توافق المصلحة . وقد اختلف العلماء في القدر الذي يوجب الحد من السرقة ، فروي عن الحسن البصري وداود الظاهري انه يثبت القطع بالقليل والكثير عملا باطلاق لآية وحديث « لعن اللّه السارق ، يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الجمل فتقطع يده » رواه الشيخان من طريق الأعمش عن أبي هريرة ، وعليه الخوارج . وذهب جمهور السلف والخلف - ومنهم الخلفاء الأربعة - إلى أن القطع لا يكون الا في سرقة ربع دينار ( أي ربع مثقال من الذهب ) أو ثلاثة دراهم من الفضة . والشافعي جعل ربع الدينار هو الأصل في تقويم الأشياء المسروقة لأنه الأصل في جواهر الأرض كلها ، وروي عن مالك ان كلا من الذهب والفضة أصل معتبر في نفسه ، وفي رواية أخرى - قيل إنها المشهورة عنه - ان التقويم بدراهم الفضة لا بربع الدينار . وقال بعض العلماء : ان